السيد عبد الأعلى السبزواري
151
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
عليك فاجتمع في هذا التعبير صفات الجلال والجمال ، والتقديس بمعنى التنزيه - كما عن جمع من اللغويين والمفسرين - والتطهير المعنوي عن النقائص ، وقد استعمل في القرآن كل منهما بالنسبة إليه تعالى قال جلّ شأنه : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [ سورة الحشر ، الآية : 24 ] . ويمكن التفريق بينهما بجعل الأول بالنسبة إلى الذات الأقدس ، فهو تعالى منزه عن كل نقص ، والثاني بالنسبة إلى الفعل ، ففعله منزه عن كل نقص ، لكونه صادرا عن الحكمة البالغة . ويمكن أن يقال : إن معنى نقدس لك أي نطهر أرضك من الفساد والمعاصي . والمعنى : أتستخلف في الأرض من هو على هذه الصفات من الإفساد وسفك الدماء ، ونحن المعصومون نسبح بحمدك ونقدس لك ، فالغاية المتوخاة من جعل الخليفة موجودة فينا دون غيرنا فزعموا أن التسبيح والتقديس فقط هو المقصد الأصلي من الخلق وليس فيهم سبب الفساد ، لأنهم متحدوا القوى وليست لهم قوى متخالفة . ثم إنه يمكن أن يكون منشأ سؤال الملائكة هذا أحد أمور : الأول : علمهم بأنّ الدار دار الكون والفساد والإنسان مركب من قوى متضادة متخالفة من الشهوة والغضب ، والقوة والضعف ، ونحو ذلك ، ومن كان هذا حاله وهو في دار الكون والفساد ، والمادة يلازمه سفك الدماء والإفساد ، فيكون قولهم من باب كشف الملزوم عن اللازم وهو صحيح . الثاني : حصول ذلك من حمل المستقبل على الماضي الذين أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء ، فحصل لهم العلم بذلك من التجربة . الثالث : أنّ حب النفس فطري في كل ذي حياة فحبهم لنفسهم أوقعهم في هذا القول ، ولكن هذا الوجه ينافي مقام عصمتهم . الرابع : أنه بعد إخبارهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة عجبوا كيف يمكن أن يكون المصنوع من التراب خليفة رب الأرباب ، مع أنّ اللّه تعالى أخبرهم أن في ذريته من يفسد ويسفك الدماء ، كما في بعض الأخبار ، وغفلوا